ابن الجوزي

191

بستان الواعظين ورياض السامعين

غدا نزوح الأحبة * وتمنعي أن تروحي ذكر أن الميت إذا وضع في قبره وقال المشيعون : انصرفوا آجركم اللّه يقول الميت - إن كان من أهل الشقاء - يا ليتني مع من انصرف لعظم ما يعاين من هول المطلع . يا أحبابي فإذا كان لأحدكم بيت ولم يبسط فيه على ما يجلس جلس على التراب والأرض ، كذلك من لم يقدم لقبره عملا صالحا لنفسه بقي مستوحشا وحيدا فريدا في رمسه . وأنشدوا : أنا في القبر رهين * قد تبرّا الأهل منّي أسلموني بذنوبي * خبت إن لم يعف عنّي فارحم اليوم مشيبي * وارحم اللهمّ سنّي وارحم اللهم ضعفي * لا يخيب اليوم ظنّي [ 316 ] عظة للنبي صلى اللّه عليه وسلم روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يعظنا أحيانا فيقول : « تجهزوا لقبوركم فإن القبر ينادي كل يوم سبع مرات فيقول : يا ابن آدم الضعيف ارحم نفسك في حياتك قبل أن تلقاني ، فإنك إذا لقيتني وكنت عاملا بطاعة مولاك رحمتك ورأيت مني السرور ، وإن لم ترحم نفسك لم أرحمك ، أنا بيت الدود مع الندامة الطويلة ، وأنا بيت الوحشة مع الجوع الشديد والشدة ، أنا بيت العطش مع الظلمة ، أنا بيت الضيق مع العقارب يا ابن آدم إياك أن تغرك الحياة الدنيا فإن ممرك عليّ وأنا أول منازلك إلى الآخرة ، فإن نجوت مني نجوت من كلّ شدة تتخوف منها ، يا ابن آدم أنا بيت الغضب لا أرحم شابا لشبابه ، ولا صغيرا لصغره ، ولا كهلا ولا شيخا لكبره ، ولا أرحم إلّا من رحم نفسه . وأنشدوا : عجبت لمن يتم له السرور * بدار كل ما فيها غرور وكيف يلذّ ساكنها بعيش * ويعلم أن مسكنه القبور يا ابن آدم لقد خلقت لأمر عظيم لو كنت تعقل لظهر قنوعك ، ولبان خشوعك ، وثارت دموعك ، خوفا من القبر ووحشته ، ومن اللحد وضغطته ، ومن هول المطلع وروعته . فامهد لنفسك يا مسكين بينما أنت حي وبينما يقبل منك